إخوان الصفاء

207

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الجامدات الناقصات الوجود . وقد قام الدّليل وصحّ البرهان بطريق المنطق الفلسفي ان أهل السماوات وسكان الأفلاك هم ملائكة اللّه وخالص عباده ، يسمعون ويبصرون ويعقلون ويعلمون ويقرأون ويسبّحون الليل والنهار لا يفترون . وتسبيحهم ألحان أطيب من قراءة داود للزّبور في المحراب ، ونغمات ألذّ من نغمات أو تار العيدان الفصيحة في الإيوان العالي « 1 » . فإن قال قائل : فإنهم ينبغي ان يكون لهم أيضا شمّ وذوق ولمس ، فليعلم هذا القائل بأن الشمّ والذوق واللمس انما جعل للحيوان الآكل للطعام ، والشارب للشراب ، ليميّز بها النافع من الضّارّ ، ويحرز جثّته عن الحر والبرد المفرطين المهلكين لجثّته ، فأما أهل السماوات وسكان الأفلاك فقد كفوا هذه الأشياء ، وهم غير محتاجين إلى أكل الطعام والشّراب بل غذاؤهم التسبيح ، وشرابهم التهليل ، وفاكهتهم الفكر والرويّة والعلم والشّعور والمعرفة والإحساس واللذة والفرح والسرور والراحة . فقد تبيّن بما ذكرنا أن لحركات الأفلاك والكواكب نغمات وألحانا طيبة لذيذة مفرحة لنفوس أهلها ، وان تلك النغمات والألحان تذكّر النفوس البسيطة التي هناك سرور عالم الأرواح التي فوق الفلك التي جواهرها أشرف من جواهر عالم الأفلاك ، وهو عالم النّفوس ، ودار الحياة التي نعيمها كلها روح وريحان في درجات الجنان ، كما ذكر اللّه تعالى في القرآن . والدليل على صحّة ما قلنا ، والبرهان على حقيقة ما وصفنا ، أن نغمات حركات الموسيقار تذكّر النفوس الجزئيّة التي في عالم الكون والفساد سرور عالم الأفلاك ، كما تذكّر نغمات حركات الأفلاك والكواكب النفوس التي هي هناك سرور عالم الأرواح ؛ وهي النتيجة التي أنتجت من المقدّمات المقرّر بها عند الحكماء ، وهي قولهم إن الموجودات المعلولات الثّواني تحاكي أحوالها أحوال الموجودات الأولى التي هي علل لها ، فهذه مقدّمة واحدة ؛ والأخرى

--> ( 1 ) الإيوان العالي : المراد به كما يظهر إيوان كسرى .